العيني

63

عمدة القاري

فيه جزءاً مما تشتمل عليه تلك الترجمة ، وههنا كذلك . قوله : ( وغيره ) قال بعضهم : أي من مظان الحدث . وقال الكرماني : أي غير القرآن من السلام وسائر الأذكار . قلت : أما قول هذا القائل : من مظان الحدث ، فليس بشيء لأن عود الضمير لا يصح إلاَّ إلى شيء مذكور لفظاً وتقديراً بدلالة القرينة اللفظية ، أو الحالية ، ولم يبين أيضاً مظان الحدث ، ومظنة الحدث أيضاً على نوعين : أحدهما : مثل الحدث ، والآخر : ليس مثله ، فإن كان مراده النوع الأول فهو داخل في قوله : بعد الحدث ، وإن كان الثاني . فهو خارج عن الباب ، فإذاً لا وجه لما قاله على ما لا يخفى . وأما قول الكرماني : أي غير القرآن ، فهو الوجه ، ولكن قوله : من السلام وسائر الأذكار ، لا وجه له في التمثيل ، لأن المحدث إذا جاز له قراءة القرآن ، فالسلام وسائر الأذكار بالطريق الأولى أن يجوز ، ولو قال غير القرآن مثل : كتابة القرآن ، لكان أوجه وأشمل للقولي والفعلي ، على أن تعليق البخاري قول منصور بن المعتمر عن إبراهيم النخعي مشتمل على القسمين : أحدهما : قراءة القرآن بعد الحدث ، والثاني : كتابة الرسائل في حالة الحدث . ثم المناسة بين البابين ظاهرة من وجه أن في الباب الأول حكم التوضئة ، وفي هذا الوضوء ، وهذا القدر كافٍ . فافهم . وقَالَ مَنْصُورٌ عَنْ إبْراهِيمَ لاَ بَأْسَ بِالقِرَاءَةِ فِي الحَمَّامِ وَبِكَتْبِ الرِّسالَةِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءِ . منصور هو : ابن المعتمر السلمي الكوفي ، تقدم في باب من جعل لأهل العلم أياماً . وإبراهيم هو ابن يزيد النخعي الكوفي القعنبي ، مر في باب ظلم دون ظلم ، وهذا التعليق وصله سعيد بن منصور عن أبي عوانة عن منصور مثله ، وروى عبد الرزاق عن الثوري عن منصور ، قال : سألت إبراهيم عن القراءة في الحمام ؟ فقال : لم يُبْنَ للقراءة ، وقال بعضهم : هذا يخالف رواية أبي عوانة . قلت : لا مخالفة بينهما ، لأن قولهم : لم يبن للقراءة ، إخبار بما هو الواقع في نفسه ، فلا يدل على الكراهة ولا على عدمها . أو نقول : عن إبراهيم روايتان ، وفي رواية يكره ، وفي رواية لا يكره . وقد روى سعيد بن منصور أيضاً عن محمد بن أبان عن حماد بن أبي سليمان ، قال : سألت إبراهيم عن القراءة في الحمام ؟ فقال : يكره ذلك . فان قلت : لِمَ ذكر البخاري الأثر الذي فيه ذكر الحمام ، والتبويب أعم من هذا ؟ قلت : لأن الغالب أن أهل الحمام أصحاب الأحداث . واختلفوا في قراءة القرآن في الحمام . فعن أبي حنيفة أنه يكره ، وعن محمد بن الحسن أنه لا يكره ، وبه قال مالك . وقال بعضهم : لأنه ليس فيه دليل خاص ، قلت : إنما كره أبو حنيفة قراءة القرآن في الحمام لأن حكمه حكم بيت الخلاء ، لأنه موضع النجاسة ، والماء المستعمل في الحمام نجس عنده ، وعند محمد طاهر ، فلذلك لم يكرهها . قوله : ( وبكتب الرسالة ) أي : وبكتابة الرسالة ، لأن الكتب مصدر دخلت عليه الباء حرف الجر ، وهو معطوف على قوله : ( لا بأس بالقراءة ) ، والتقدير : ولا بأس بكتب الرسالة على غير وضوء ، وهذه في رواية كريمة ، وفي رواية غيرها : ويكتب الرسالة ، على صيغة المجهول من المضارع ، والوجه الأول أوجه ، وهذا الأثر وصله عبد الرزاق عن الثوري أيضا عن منصور ، قال : سألت إبراهيم : أأكتب الرسالة على غير وضوء ؟ قال : نعم ، وقال بعضهم : وتبين بهذا أن قوله : ( على غير وضوء ) يتعلق بالكتابة لا بالقراء في الحمام . قلت : لا نسلم ذلك ، فإن قوله : ( وبكتب الرسالة ) على الوجهين يتعلق على قوله : ( بالقراءة ) . وقوله : ( وعلى غير وضوء ) يتعلق بالمعطوف عليه لأنهما كشيء واحد . وقال أصحابنا : يكره للجنب أو الحائض أن يكتب الكتاب الذي في بعض سطوره آية من القرآن وإن كانا لا يقرآن شيئاً ، لأنهما منهيان عن مس القرآن ، وفي الكتابة مس ، لأنه يكتب بالقلم وهو في يده ، وهو صورة المس : وفي ( المحيط ) : لا بأس لهما بكتابة المصحف إذا كانت الصحيفة على الأرض عند أبي يوسف لأنه لا يمس القرآن بيده وإنما يكتب حرفاً فحرفاً ، وليس الحرف الواحد بقرآن . وقال محمد : أجب إلى أن لا يكتب لأنه في الحكم ماس للحروف ، وهي بكليتها قرآن ومشايخ بخاري أخذوا بقول محمد ، كذا في ( الذخيرة ) . وقال حمَّادٌ عَنْ إبْراهِيمَ إنْ كانَ عَلَيْهِمْ إزَارٌ فَسَلِّمْ وإلاَّ فَلاَ تُسَلِّمْ . حماد هو ابن أبي سليمان ، فقيه الكوفة وشيخ أبي حنيفة ، رضي الله عنه . وإبراهيم هو النخعي ، وهذا التعليق وصله الثوري في ( جامعه ) عنه . قوله : ( عليهم ) أي على : أهل الحمام العراة المتطهرين ، وقال بعضهم : اي على من في الحمام ، والمراد الجنس . قلت :